الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
211
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
فإنها أمر نفساني لا يمكن حصولها باللفظ وإنما يكون اللفظ كاشفا عنها دليلا عليها فهو متأخر عنها في الوجود دال على حصولها في النفس شرط لتعلق الإرادة بالمكلف إذا تقرر ذلك فنقول إن الإيجاب على ما ذكرنا هو الإرادة الحتمية المتعلقة بالفعل فإذا صدر ذلك منا متعلقا بفعل من الأفعال وعلمنا أن ذلك الفعل لا يتم في الخارج إلا بفعل آخر وكانت الإرادة الحتمية متعلقة بالفعل الأول على جهة الإطلاق فبالضرورة الوجدانية يحكم العقل بتعلق الإرادة الحتمية بذلك الفعل المتوقف عليه من جهة إيصاله إلى ما هو المطلوب وأدائه إليه بحيث لا مجال للريب فيه وليس معنى الوجوب الغيري إلا ذلك لما عرفت من أن حقيقة التكليف ليس شيء وراء الإرادة المذكورة ولا يذهب عليك أن ما ذكره من أن الطلب الذي هو مدلول الأمر عين الإرادة التي هي من الأمور القائمة بذات الأمر الحاصلة قبل إيجاد الصيغة فاسد حسبما مر تفصيل القول فيه ولنشير في المقام إلى ما فيه من وجوه الفساد منها أنه لو كان كذلك لم يمكن تعلق الطلب بمن يعلم الأمر عدم صدور الفعل منه فإن صدور الفعل منه حينئذ مستحيل ولو بالغير ومن الواضح عدم إمكان تعلق الإرادة بالأمر المستحيل فإن احتمال وقوع المراد ولو مرجوحا شرط في تعلق الإرادة ومنها أنه لو كان كذلك لكان الفعل واجب الحصول عند إرادة اللّه صدوره من العبد على نحو ما يريد الأمر منا صدور الفعل عمن يأمره به لعدم إمكان تخلف إرادة الله كذلك عن مراده ومنها أن دلالة الإنشاء حينئذ على حصول الإرادة من قبيل دلالة الأخبار لكونه حكاية عن أمر حاصل في الواقع فقد يطابقه ولا يطابقه فيكون قابلا للصدق والكذب وذلك مع أنه لا يقول به أحد مخالف لما يستفاد من الأمر وسائر الإنشاءات فإن الجمل الإنشائية كما نصوا عليه ويستفاد منها بحسب العرف آلة لثبوت معانيها في الخارج فالنسبة الإنشائية نسبة تامة حاصلة باستعمال الجملة الإنشائية في معناها كما أن الجمل الخبرية آلة في احتضار النسبة التامة ببال السامع وحينئذ فإما أن تطابقها أو لا تطابقها بخلاف الإنشاء إذ ليس النسبة التي يشتمل عليها إلا حاصلة بإرادتها من اللفظ فالإخبار حكاية عن أمر واقعي والإنشاء إيجاد للنسبة الخارجية فجعل الطلب المدلول بالأمر عبارة عن الإرادة بالمعنى المذكور مما لا وجه له أصلا والتحقيق أن يقال حسبما بيناه في محله إن الطلب المدلول للأمر ليس إلا اقتضاء الفعل منه في الخارج الذي يعبر عنه في الفارسية بخواهش كردن وهو أمر إنشائي حاصل بتوسط الصيغة لا الإرادة النفسية المعبر عنها بخواهش داشتن والإرادة على الوجه الثاني ممّا لا يمكن تخلف المراد عنها بالنسبة إليه تعالى ويعبر عنها بالإرادة التكوينية بخلاف الأول ويعبر عنها بالإرادة التشريعية ولا ملازمة بين الإرادتين بل يمكن التخلف من كل الجانبين عن الآخر وحينئذ فما ذكره العدلية من اتحاد الطلب والإرادة إن أرادوا بها الإرادة على الوجه الثاني ففساده واضح لوضوح المغايرة بينهما كما عرفت وإن أرادوا بها الإرادة على الوجه الأول فهو الحق الذي لا محيص عنه مما ذكره الأشاعرة من المغايرة بينهما إن أرادوا بها الوجه الأول فهو فاسد قطعا كما عرفت وإن أرادوا بها الوجه الثاني كما يومي إليه ما استدلوا به عليه فهو متجه ومما بينا يقوم احتمال أن يكون النزاع بين الفريقين لفظيا وكيف كان فالحق في المسألة ما قررناه وحينئذ فما ذكره الفاضل المستدل من اتحاد الطلب والإرادة على الوجه الذي قرره فاسد فلا نسلّم ما فرع عليه من وجوب المقدمة بالمعنى الذي قرره لكن يمكن أن يقال إن اقتضاء الفعل على وجه الحتم حسبما قررناه قاض باقتضاء ما يتوقف عليه ذلك الفعل ولا يتم إلا به لأجل حصوله وملخصه أن العقل بعد تصور وجوب ذي المقدمة ومعنى المقدمة ووجوبها الغيري لأجل حصول ذي المقدمة يقطع بلزوم الثاني للأول وعدم انفكاكه عنه من غير حاجة إلى الوسط فهو لازم بيّن له بالمعنى الأعم وهو أمر ظاهر بعد إمعان النظر في تصوّر الأطراف وكان هذا هو مقصود بعض المحققين حيث حكم ببداهة وجوب المقدمة كما مرت الإشارة إليه [ الحجة الثانية . ] ومنها أنه قد يقرر عند العدلية كون إيجاب الشارع وتحريمه وسائر أحكامه تابعة للمصالح ودفع المفاسد فإذا كانت المصلحة الداعية إلى الفعل بالغة إلى حد لا يجوز إهمالها وتقويتها على المكلف وجب أمر الشارع به وكذا الحال في المصلحة الداعية إلى تركه ومن البين أن المصالح الداعية إلى الفعل أو الترك وقد يكون مترتبة على نفس ذلك الفعل أو الترك وقد يكون مترتبة على فعل شيء آخر أو تركه فيتعلق الطلب به من حيث كونه مؤديا إلى ما يترتب عليه ذلك فإن من الواضح أن ملاحظة ترتب المصلحة أو المفسدة على الفعل أو الترك لا يجب أن يكون بلا واسطة وحينئذ فاللازم من ذلك تكليف الشارع بالمقدمات على نحو تكليفه بأداء نفس الواجبات نظرا إلى ما ذكر مراعاة المصلحة اللازمة والمفسدة المترتبة ويمكن الإيراد عليه بأن القدر اللازم الذي يقضي به وجوب اللطف هو إعلام المكلف بالحال ومن إلزامه بالفعل أو الترك على ما يقتضيه المصلحة من الفعل أو الترك لئلا يفوته نفع تلك المصلحة أو يلحقه ضرر تلك المفسدة وذلك حاصل بإلزامه بنفس الفعل الذي يترتب عليه ذلك من غير حاجة إلى إلزامه بما يؤدي إلى ذلك وقد يدفع ذلك بأنه إن كان ترتب المصلحة أو المفسدة على الفعل كذلك قاضيا بحسن التكليف على مقتضى ذلك فلا يجوز إهمال الشارع له وإن لم يكن إهمال الشارع قاضيا به فلا يجوز وقوع الطلب والإلزام من الشارع على الوجه المذكور والثاني باطل قطعا لتعلق التكاليف الشرعية بكثير من الأفعال على الوجه المذكور فإن الواجبات التوصلية المأمور بها في الشريعة لأجل الإيصال إلى واجبات أخر غير عزيزة في الشريعة فلا بد إذن من حصول التكليف على حسب المصالح المترتبة على الأفعال بالواسطة أيضا كيف وحصول التكليف على الوجه المذكور ومراعاة العقلاء له في أوامرهم ونواهيهم أمر واضح غني عن البيان فإن من تأمل في القواعد العملية ومارس المصالح الحكمية والتدبيرات الكلية وعرف مجاري أحكام العقلاء وأهل المعرفة عرف أن ما يجب رعايته والأمر به قد يكون مما ترتب عليه المصلحة لذاته وقد يكون مؤديا إلى ما يترتب عليه المصلحة ألا ترى أن من أراد تدبير عسكر أو بلد كما أنه يأمر بالأمور النافعة لهم وينهى عن الأمور الضارة بحالهم كذا يأمر بما يؤدي إلى ما فيه نفعهم وينهى عما يؤدي إلى